صديق الحسيني القنوجي البخاري

157

فتح البيان في مقاصد القرآن

للاستظهار والاستعانة على التحرك والطيران قال النحاس : يقال للطائر إذا بسط جناحه صاف ، وإذا ضمها قابض ، كأنه يقبضها وهذا معنى الطيران وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط ، وإنما قال ويقبضن ولم يقل قابضات كما قال صافات لأن القبض يتجدد تارة فتارة وأما البسط فهو الأصل كذا قيل : وقيل : المعنى قبضهن لأجنحتهن عند الوقوف من الطيران لا قبضها في حال الطيران . ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ حالية أو مستأنفة لبيان كمال قدرة اللّه سبحانه ، والثاني أظهر ، والمعنى أنه ما يمسكهن في الهواء عن الوقوع عند الطيران إلا الرحمن القادر على كل شيء وإلا فالثقيل يتسفل طبعا ولا يعلو وكذا لو أمسك حفظه وتدبيره عن العالم لتهافتت الأفلاك إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ لا يخفى عليه شيء كائنا ما كان ، يعلم كيف يخلق الغرائب وكيف يدبر العجائب ، فبصير بمعنى العالم بالأشياء الدقيقة الغريبة . أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ الاستفهام للتقريع والتوبيخ والالتفات عن الغيبة إلى الخطاب للتشديد في ذلك التبكيت ، والمعنى أنه لا جند لكم يمنعكم من عذاب اللّه ، والجند الحزب والمنعة ، قرأ الجمهور « أمن » بتشديد الميم على إدغام ميم أم في ميم من ، وأم بمعنى بل ولا سبيل إلى تقدير الهمزة بعدها كما هو الغالب في تقدير أم المنقطعة ببل والهمزة لأن ما بعدها ههنا من الاستفهامية فأغنت عن ذلك التقدير ، ومن الاستفهامية مبتدأ واسم الإشارة خبره ، والموصول مع صلته صفة اسم الإشارة وينصركم صفة لجند ومن دون الرحمن في محل نصب على الحال من فاعل ينصركم ، والمعنى بل من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم متجاوزا نصر الرحمن . إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ معترضة مقررة لما قبلها ناعية عليهم ما هم فيه من غاية الضلال ، والالتفات عن الخطاب إلى الغيبة للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم ، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر وتعليل غرورهم به ، والمعنى ما الكافرون إلا في غرور عظيم من جهة الشيطان يغرهم به . أَمَّنْ تكتب أم موصولة في « من » وكذا يقال فيما تقدم هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ الكلام في هذا كالكلام في الذي قبله أي من الذي يدر عليكم الرزق من المطر وغيره إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ أي أسباب رزقه التي ينشأ عنها كالمطر ، بل لو كان الرزق موجودا كثيرا سهل التناول فوضع الآكل لقمة في فيه فأمسك اللّه تعالى عنه قوة الازدراد لعجز أهل السماوات والأرض عن أن يسوغوا تلك اللقمة . وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن أمسك رزقه فمن يرزقكم غيره . وقوله : بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ينبئ عن مقدر يستدعيه المقام كأنه قيل : أثر